الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
ففي الدورة التاسعة لمجلس هيئة كبار العلماء، المنعقدة بمدينة الطائف، في شهر شعبان 1396هـ؛ جرى الاطلاع على خطاب المقام السامي الوارد من سمو نائب رئيس مجلس الوزراء رقم (33867) في 1395/12/2هـ، المتضمن الموافقة على ما اقترح من إعادة النظر في تقويم دية النفس، على ضوء تغير أقيام الإبل، التي هي الأصل في الدية، بما يكون محققا للعدل والإنصاف.
فقد قامت الهيئة ببحث المسألة على ضوء النصوص الواردة في أصول الدية، وحيث إنه لا يعلم خلاف بين العلماء في أن الإبل أصل في الدية، وإن دية الحر المسلم مائة من الإبل، وبما أن الراجح من أقوال أهل العلم أن الأصل في الدية هو الإبل، وما سواها من الأنواع فهو من باب القيمة، كما هو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد رحمه الله واختيار الخرقي، والموفق، وغيرهما من علماء الحنابلة، وهو الراجح عند أئمة الدعوة رحمهم الله للأحاديث الواردة في ذلك منها:
حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا: مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها)، وحديث عمرو بن حزم رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وفي النفس مائة من الإبل)، وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات مخاض، وعشرون بني مخاض، وعشرون بنات لبون). وروى أبو داود بإسناد جيد عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "في شبه العمد خمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنات لبون، وخمس وعشرون بنات مخاض".
وهذه الأحاديث تدل على أن الأصل في الديات هو الإبل، ولأنه صلى الله عليه وسلم فرّق بين دية العمد وشبهه، وبين دية الخطأ، فغلّظ في الأول، وخفّف في الثاني، ولا يتحقق التفريق المشار إليه في غير الإبل، ومن ذلك، يتضح رجحان القول بأن الأصل في الدية هو الإبل خاصة وما عداها قيم، ويؤيده أن دية ما دون النفس من الأعضاء، والأسنان، والكسور، إنما وردت في الأحاديث مقدرة بالإبل.
وبناء على هذا القول المختار، وهو أن الأصل في الدية الإبل، وعلى أنه يجوز تقويمها؛ لما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قام خطيبا فقال: (إن الإبل قد غلت، قال: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مئتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مئتي حلة).
وهذا يدل على أن إيجاب عمر رضي الله عنه لما سوى الإبل كان على سبيل التقويم؛ من أجل غلاء الإبل، ولو كانت الأنواع الأخرى أصولا بنفسها، لم يكن إيجابها تقويما للإبل، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك، ولا كان لذكره معنى، وهذا التقويم يكون في كل زمان بحسبه.
وحيث إن تقدير الدية في عام (1390هـ) بأربعة وعشرين ألف ريال عربي سعودي، بالنسبة للخطأ، وسبعة وعشرين ألف ريال للعمد وشبهه، ومن قبل مجلس القضاء، بموجب قراره رقم (155) وتاريخ: 1395/11/6هـ، كان حسبما توصل إليه المجلس آنذاك من معرفة قيمة الوسط من أقيام الإبل التي هي الأصل في الدية، كما تقدم، ونظرا لارتفاع أقيام الإبل ارتفاعا شديدا، بعد التاريخ المشار إليه، وحيث إن سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، قد كتب إلى عدة محاكم في مناطق مختلفة من المملكة، يطلب تكليف اثنين أو ثلاثة من أهل الخبرة والأمانة، بالتعرف على القيمة المتوسطة للأنواع الواجبة في الدية من الإبل، ووردت إجابات هذه المحاكم بمضمون ما قرره أهل الخبرة في كل بلد عن متوسط القيمة، ونظرا إلى اختلاف التقديرات الواردة من المحاكم.
فقد قرر المجلس بأغلبية الحاضرين من أعضائه، الأخذ بأقلها تقديرا لأنه الأحوط، ولأن الأصل براءة الذمة مما زاد على ذلك، ولأن القاتل إذا أحضر مائة من الإبل من الأنواع المنصوص عليها، السالمة من العيوب، وجب على أولياء القتيل قبولها في أي مكان كانوا، ولو كانت قيمتها في ذلك المكان أقل منها في مكان آخر. وبحسب هذا التقدير المشار إليه: تكون دية العمد وشبهه (خمسة وأربعين ألف ريال)، ودية الخطأ (أربعين ألف ريال)، ويستمر العمل بموجب هذا التقدير ما لم تتغير قيمة الإبل بزيادة كثيرة، أو نقص كبير يوجب إعادة النظر.
والله ولي التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.