(1)
سأتحدث هنا عن ملامح لنظام المعاملات المدنية والذي دخل حيز التطبيق منذ مدة قريبة، وكل شخص مطلع على ما أكتب منذ سنوات يجد شغف وتطلعا لهذا النظام بإعتباره العمود الفقري للقوانين في المملكة تحت مظلة النظام الأساسي للحكم، وكنت آمل أن يسمى بالقانون المدني وتلغى تسمية النظام.
على أية حال العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، القاعدة الفقهية المعروفة التي تبناها نظام المعاملات المدنية مع عدد لابأس به من القواعد الفقهية.
سيكون الحوار وصفيا تحليليا مع ذكر بعض الأرقام من الذاكرة للمراجعة للنظام بعد صدوره وليس نقدياً تشريعياً بالإضافة لمراجعة بعض القوانين المدنية العربية واللاتينية مع بعض أجزاء الوسيط للسنهوري لذا آمل النظر له من هذا الجانب:
أولا:
النظام أتى بأكثر من سبعمائة مادة بقليل معتمداً منهج المدرسة اللاتينية في الطرح وإنما لم يكن منها مباشرة.
ثانياً:
النظام أخذت معظم مواده (تقريباً 65% منه) تتجاوز 480 مادة مباشرة من القانون المدني المصري الذي أعده السنهوري بمعاونة أستاذه الفقيه الفرنسي لامبير قبل ثمانين عاماً ، و النصوص هذه أخذت بنصها كما هي أو عدلت بعض الكلمات كما القانون للنظام أو عدل شيء منها مع الإحتفاظ بالمعنى.
ثالثاً:
المواد الأخرى أخذت من قوانين أخرى أو من تخريجات فقهية للتوافق مع بيئة القانون السعودي .
رابعاً:
من حيث الصياغة التشريعية يعد واحد من أدق الأنظمة التي صدرت مؤخراً من وجهة نظري.
خامساً:
خرجت وستخرج الكثير من الكتب لشرح النظام لا أنصح بها مع عدم إطلاعي عليها! لسبب رئيسي أن معد معظم النظام في صورته الأصلية السنهوري لديه واحد من أفضل كتب القانون المدني في العالم العربي وقد شرحه شرحاً وافياً بالإضافة لشرحه في كتبه الأخرى منها عن كيفية قيامه بمراجعة القوانين المقارنة والاستفادة منها فهو لاتيني المدرسة اي القانون المصري لكنه اي السنهوري قام بصياغته صيغة عربية محكمة بالإضافة لمحاولات عديدة ذكر هو بعض منها في التأصيل والتقعيد وكان يأمل بأن تأتي أجيال تكمل عمله من بعده.
سادساً:
نظام المعاملات المدنية باقتباس جزء كبير منه من القانون المصري لم يخرج كثيراً عن الأنظمة القانونية التي صدرت في المملكة منذ عام 1930 وحتى نهاية التسعينات من القرن الماضي، فتأثير المدرسة اللاتينية بصيغتها المصرية يشمل كافة الدول العربية تاريخياً عدا السودان التي أخذت بالمدرسة الانجلوسكسونية بشكل كبير، مع اختلاف الموضوع وكونه أكثر تعقيداً في السعودية نتيجة التطور التشريعي ضمن خط القانون اللاتيني تاريخياً من مصر أو في حالات من فرنسا مباشرة، والخط الثاني ضمن الفقه القضائي الذي كان مستندا كثيراً لمذهب الحنابلة مع خروجه عن المذهب في حالات عديدة وخاصة لرأي ابن تيمية أو من المعاصرين ابن عثيمين مع كونهم حنابلة إلا أنهم خرجوا عن المذهب في بعض المسائل.
سابعاً:
حتى حين صدور المذكرة التوضيحية للنظام والتي أظن أنها لابد أن تنشر لأهميتها في فهم النظام، حتى ذلك الحين من الأفضل الرجوع لوسيط السنهوري فيما تشابه مع القانون المدني المصري وكذلك الاستفادة من الأحكام القضائية المصرية وخاصة محكمة النقض المصرية من ناحية البعد التاريخي القانوني والتشابه في اللغة ومرجعية الشريعة.
ثامناً:
عند صدور قانون نابليون عام 1804 كان هنالك صدمة بمعنى الصدمة في القارة الأوروبية ومن بعدها دول أخرى من حيث الإعجاب التام أو المعارضة التامة بشكل كبير وحاول العديد من فلاسفة القانون في أوروبا معارضته أو الاتفاق معه كما فعل الفيلسوف الألماني سافييني مؤسس المدرسة التاريخية القانونية في ألمانيا مما أخر خروج القانون المدني الألماني مايقارب مئة عام حتى بداية 1900.
تاسعاً:
العجيب أن قانون نابليون لم يكن الأول في أوروبا في عصر الدول الحديثة التي بدأت في منتصف القرن السابع عشر في أوروبا حيث كان هنالك ثلاثة قوانين مكتوبة في القرن الذي يسبقه،لماذا إذن أنتشر لعدة أسباب منها:
انتشار مفاهيم الدولة الحديثة وأسسها كمفهوم القانون في الدولة الحديثة داخل وخارج أوروبا بعد ذلك ، وبالإضافة لذلك استعمار معظم بلدان العالم من الدول الاستعمارية المنتمية لهذه المدرسة اللاتينية أو الانجلوسكسونية.
عاشراً:
مفهوم الدولة الحديثة استقر أكثر في المنتصف الثاني من القرن العشرين حيث حصلت العديد من الدول على الاستقلال ومعها حصلت على منظومة قانونية متكاملة فتجد الهند وباكستان والسودان تتبع المدرسة الانجلوسكسونية بشكل كبير وتجد مصر واندونيسيا والأرجنتين.
حادي عشر:
سيقول لي قائل خرجت من نقاش نظام المعاملات المدنية لقانون نابليون واقول من المهم فهم التاريخ القانوني لكي نفهم كيفية التشريع وكيف تطويره والجدير بالذكر بناء على أبحاثي المتعددة لم أجد مصدر مباشر من الفقه الإسلامي للقانون الفرنسي وأما التشابه فكثير وقد احصاه الباحث الشيخ سيد حسين في المقارنات التشريعية مابين القوانين الوضعية والفقه الإسلامي مذهب مالك وقد اطلعت على هذا الكتاب المكون من عدة إجزاء في مكتبة الحرم المدني منذ سنين عديدة لذا لا أتذكر تفاصيل المقارنات.
وقد تبين لي بعد ذلك أن نابليون اخذ مدونة سحنون ولكن أخذها من مصر مابين 1798 و 1801 كان احتلال مصر أو الهجوم عليها من نابليون ، بينما القانون المدني الفرنسي كان قد كتب منه مسودة قبل نابليون ببضع سنين وهو من عجل بإصداره بتعيين ثلاثة مختصين للمسودة التي صدرت وإعطائهم مهلة ستة أشهر وتم الإنجاز في أربعة أشهر.
ثاني عشر:
وهنالك اتهامات من عدد من المستشرقين بأن الفقه الروماني كان له تأثير على الفقه الإسلامي لذا كأنها بضاعتهم ردت إليهم ، وبالنسبة لنا يقولون بضاعتنا ردت لنا.
وحتى هذه اللحظة لا أستطيع الجزم بشيء غير أن تأثير الأندلس وحضارة المسلمين فيها واضح وضوح الشمس في أوروبا بناء على كتبهم وليست كتبنا وقد تأسست أول كلية للقانون في منطقة قريبة للحدود الأندلسية وثقافتها جامعة بولونيا في بداية القرن الحادي عشر وفي عز الحضارة الإسلامية الأندلسية وكذلك اختفاء مدونة القانون الرومانية عدة قرون ثم خروجها، والمسلمين في بيت الحكمة في بغداد وغيرها ترجموا الثقافة الفارسية بشكل أكبر ومن ثم الفلسفة اليونانية ولم يعهد أنهم ترجموا شيء من القانون الروماني أو مدونة جستنيان بالتحديد.
ثالث عشر:
نصت المادة الأولى من نظام المعاملات المدنية على مفهوم "الأكثر ملائمة لأحكام هذا النظام" ودون مذكرة توضيحية هنالك عدة إشكاليات في هذا النص المستمد أصله من المسودة الاصلية للسنهوري والتي عدلها مجلس الشيوخ المصري وبعد ذلك وجدت في قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1958 أظن وغيره بعد ذلك.
نكمل ضمن ملامح نظام المعاملات المدنية وقد وصلنا للمادة الأولى لنقاش مفهوم ( الأكثر ملائمة لأحكام هذا النظام) وقد ذكرت أن النص كان موجود في مسودة القانون المدني التي أعدها السنهوري ولكن لم تقر في القانون المدني المصري
وقد تم استخدام هذه العبارة في عدة قوانين عربية مدنية وغيرها بدء من قانون الأحوال الشخصية العراقي عام 1959 واستخدمت في القوانين السعودية في نص نظام الإثبات ونظام الأحوال الشخصية وليس هذا محل نقاشهما.
شخصياً وحتى هذه اللحظة لا أعلم ماهية وكيفية تطبيق هذه المادة ونصها كاملاً
"تُطبق نصوص هذا النظام على جميع المسائل التي تناولتها في لفظها أو في فحواها، فإن لم يوجد نص يمكن تطبيقه طُبقت القواعد الكلية الواردة في الأحكام الختامية، فإن لم توجد قاعدة يمكن تطبيقها طُبقت الأحكام المستمدة من الشريعة الإسلامية الأكثرُ ملاءمة لهذا النظام"
وهذا النص بالأكثر ملائمة لأحكام النظام دون شرح مقنع و تأصيل دستوري يكون موجود في المذكرة التوضيحية للنظام يعد من وجهة نظري مخالف للنظام الأساسي وخاصة المادة السابعة منه والتي تنص على حكم عام للشريعة بالكتاب والسنة دون تقييد بمذهب ، لذا أن كانت المادة محل النقاش هي شرح للمادة السابعة من النظام الأساسي للحكم فلا محل لها هنا بهذه الصيغة وإن كانت تقييد فلا يمكن لنص أدنى تقييد نص أعلى.
مع أنني أتفهم وجود هذا النص في ضوء البناء القضائي السعودي ولكن لايمكن الاقتناع به من ناحية المبادئ الدستورية بالنسبة لي حتى هذه اللحظة وكذلك لا يمكن أن يفهم أن معدي النظام قصدهم وضع قيد على النظام الأساسي للحكم.
وكان بالإمكان معالجة الإشكالية للوصول للمقصد دون الحاجة لهذا النص.
ولو تأملنا مثلاً في نص القانون المدني المصري "فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة" لهو أكثر وضوحاً في ظل تطبيقات محكمة النقض المصرية بناء على الدستور المصري على هذا النص ومنها حكم للنقض تطرق لعلاقة الشريعة والمقاصد بالقوانين سبق نقلته في إحدى المقالات القصيرة هنا ولا يحضرني نصه الآن.
على أية حال لست أنادي بنسخ نص المادة الأولى من القانون المدني المصري كما هو وإنما مراعاة التدرج القانوني والبناء الدستوري لكل بلد وفق بناءه الدستوري وضمن فلسفة قانونية متسقة أو على الأقل ظهور المذكرة التوضيحية للنظام وتكون واضحة المعالم شرحاً وتأسيس دستورياً.
قد تطرقنا في السابق لثلاث مسائل متفرقة المسألة الأولى هيكلة النظام وامتداده من أين والمسألة الثانية كانت عن بعض التاريخ القانوني لفكرة القانون المدني، والمسألة الثالثة عن علاقة الشريعة والنظام الأساسي للحكم بنص المادة الأولى من نظام المعاملات.
هنا سأتطرق لمسألة هامة في نظري وهي موضوع الأحكام العامة والتي وجدت في القوانين المقارنة بدء من القانون الألماني الذي صدر في عام 1900 الذي أسس مسائل مهمة فيها إنتقلت لعدة دول في العالم بحكم تأثير المدرسة القانونية التاريخية التي أسسها الفقيه القانوني سافيني ، فحتى القانون المدني المصري استفاد بشكل وإن كان محدود عام 1948 من القانون الألماني حتى أن السنهوري قام بالثناء على الألماني وكذا السويسري في عدة مواضع من كتبه.
المقصود هي المواد التي تتعلق بالأحكام القانونية العامة للقوانين َمثل المادة الثانية من القانون المدني المصري " لا يجوز إلغاء نص تشريعي إلا بتشريع لاحق أو يشتمل على نص يتعارض مع نص التشريع السابق .. الخ" أو غيره من النصوص العامة.
وقد يقول قائل مثلاً في هذا المثال لا حاجة له لوجود النص الشبه ثابت في عدد كبير من الأنظمة السعودية وهو "ويُلغي كل ما يتعارض معه من أحكام" ، قبل إبداء الرأي في هذا لابد من التأكيد على أن الأداة القانونية لإصدار نظام المعاملات المدنية (المرسوم الملكي) ذكر أحكام عامة يجب مراعاتها في علاقة نظام المعاملات المدنية بغيره وهي تعد جزء من النظام لأن أداة الإصدار واحدة وهي المرسوم الملكي بخلاف بعض (الديباجات) التي تصدر مع الأنظمة بأداة قانونية أقل في سلم
التدرج القانوني ويكون فيه لبس مع النظام وليس محل التفصيل هنا.
نرجع لعبارة "يلغي مايتعارض معه من أحكام " ، هذه العبارة من وجهة نظري غير صحيحة ويجب عدم استخدامها ، لأنه الإلغاء لابد أن يكون صريح ، ولا يمكن في اي بناء قانوني أن تلغي الأحكام العامة أحكام خاصة الا اذا نص المشرع على ذلك .
بمعنى أن القواعد القانونية ، الخاص يتقدم على العام حتى لو كان القانون العام لاحق لابد من تقنينها في القانون المدني نفسه كما هو حال العديد من القوانين المقارنة ، واللاحق يلغي السابق إذا كان كلاهما خاص أو كلاهما عام ، أو كان اللاحق خاص والسابق عام فهو فقط يلغي ما يتعارض معه في مجاله وهذه من المسائل الدقيقة التي وجدت عدد كبير من المختصين يجانبون الصواب فيها مع أنها من بديهات القانون النظري .
لذا عبارة "يلغي ما يتعارض معه من أحكام" ليست حل بل قد تسبب إشكاليات في موضوع الخاص والعام أو غيره كما ذكرت سابقاً ، وهذا مثال واحد فقط لمسألة الأحكام العامة.