مقال تطوير ضريبة الاستقطاع ضمن تحديثات نظام الضرائب في المملكة

  • إن من أهم الخصائص الواجب توفرها في أي نظام ضريبي هو العدالة والوضوح. فكلما كانت الضريبة "عامة" غير محددة بمجموعة معينة، وكان مقدار خضوع المكلف للضريبة هو تحقق الشروط الواجب توفرها من أجل الخضوع للضريبة، وكانت نسبة الضريبة محددة، كانت الضريبة عادلة ومنطقية.

  • أما خاصية الوضوح، فالواقع العملي والقانوني يدفع إلى أن تكون الضريبة وأساس خضوع المكلف للضريبة والنظام الذي يحكم السلطة الضريبية والمكلفين بها واضحة ومحددة، بحيث يعرف المكلف الالتزامات المترتبة عليه ووجوب أداء الالتزامات في وقتها المحدد حسب النظام، والسلطة الضريبية التي تمارس أعمالها للتحقق من الوفاء بالتزامات المكلفين، ووجود سلطة مختصة تفصل في القضايا والاعتراضات بين المكلف والسلطة الضريبية.

  • عندما بدأت المملكة العربية السعودية بتطبيق ضريبة القيمة المضافة بداية عام 2008م، تحققت خاصية العدالة بحيث أن الضريبة عامة، والنسبة معينة، وتحقق لدى الفرد والقطاعات الاقتصادية وغير الربحية والحكومية حول الأمور الواجب توفرها حتى تخضع لنظام ضريبة القيمة المضافة من عدمه في المملكة.

  • لكن الأمر المهم هنا، هو في كيفية وضوح ضريبة القيمة المضافة ومعرفة تطبيق النظام الضريبي على الأنشطة الاقتصادية وتعريف المنتجات وفهم دورتها التجارية للتحقق من خضوعها لضريبة القيمة المضافة بالنسبة الأساسية. غالباً ما تكون اللائحة التنفيذية مفصلة، تظهر أساسيات النظام وطرق تنفيذها وتحديد الجهات المحددة بالفصل في الاعتراضات.

  • ترافق تطبيق ضريبة القيمة المضافة في المملكة مع إصدار الجهة المكلفة بالضريبة في المملكة، وهي الهيئة العامة للزكاة والدخل، بإصدار أدلة إرشادية متعددة تفصل فيها الأسس العامة لنظام ضريبة القيمة المضافة، مثل دليل الأنشطة الاقتصادية وخصم ضريبة المدخلات والأصول الرأسمالية والدليل الارشادي العام، وكذلك الأدلة الارشادية التي تفصل فيها أنشطة اقتصادية متخصصة، مثل قطاع الخدمات المالية وقطاع الطاقة والمعادن والنقل والأنشطة المهنية وغيرها. ميزة هذه الأدلة الارشادية هي في وضوحها وقابليتها للفهم، فالنشاط الاقتصادي واستمراريته لا يقتصر على الكيانات الاقتصادية القائمة، بل يمتد إلى الأفراد الذين لديهم خطط مستقبلية لممارسة نشاط اقتصادي. وكلما كانت معرفة الافراد والكيانات الجديدة لفهم النظم الضريبية وأسس احتسابها ومعرفة حقوق المكلف والتزاماته، كان ذلك أدعى لأن يختصر الوقت على المكلف في فهم هذه الأمور وحفظ مكتسباته المالية والاقتصادية. لم يتوقف الجانب المعرفي في قطاع ضريبة القيمة المضافة، فالأدلة الارشادية الحديثة الخاصة بالزكاة تضمنت تفصيلاً شاملاً ودقيقاً لنظام جباية الزكاة،  فتوفرت أدلة إرشادية خاصة للبنوك بحكم خضوعها لنظام زكوي خاص بها، وأخرى مخصصة للقطاعات العقارية والتشييد والصحة والاتصالات وغيرها.

  • من الضرائب الرئيسية المطبقة في المملكة العربية السعودية، والتي قد تسبب إشكالية معينة هي ضريبة الاستقطاع. ليس لضريبة الاستقطاع لائحة تنفيذية مستقلة خاصة بها، فهي جاءت ضمن المادة الثالثة والستين للائحة ضريبة الدخل. عرفت المادة الثالثة والستين خضوع المكلف بالضريبة بالتالي: يخضع غير المقيم للضريبة عن أي مبلغ يحصل عليه من مصدر في المملكة وتستقطع الضريبة من إجمالي المبلغ وفق النسب المحددة في المادة.

  • أعتقد بأن ورود ضريبة الاستقطاع ضمن ضريبة الدخل هو في اشتراكها في عدة أمور رئيسية مثل: الإقامة، ومصدرية الدخل. فشروط الإقامة محددة بشكل واضح، إن تحققت خضع المكلف لضريبة الدخل، وإن لم يتحقق ذلك، خضع لضريبة الاستقطاع. ومصدر الدخل إن كان قد تحقق لأداء الاعمال من مصدر في المملكة أو مقابل خدمات ونشاطات خارج المملكة، ومدى خضوعها للضريبة من عدمه.

  • ما هو هدف ضريبة الاستقطاع بشكل أساسي؟

  • هو مصدر من مصادر الإيرادات ضمن النطاق الضريبي. المستفيد من تقديم الخدمات هو مقدم الخدمة غير المقيم، والغير ملزم بالالتزام بتوظيف الكفاءات والموظفين السعوديين ضمن مجال عمله. فهو خاضع لنظام الدولة المؤسسة فيه الشركة أو الفرد غير المقيم. من جهة أخرى، هناك أهداف مالية يمكن استنباطها من تصميم الضريبة، وهي العملة وسعر الصرف.  لا يمكن تحويل الأموال بالريال السعودي، جميع الأموال المحولة لمستفيدين غير مقيمين مقابل الخدمات هي مدفوعة بعملات أجنبية متغيرة، من الدولار الأمريكي الثابت مقابل سعر صرف الريال، إلى العملات الأخرى المتغيرة مثل الباوند الإنجليزي واليورو الأوروبي وغيرها من العملات. عندما تحول جهات داخلية أموالها إلى الخارج، فهي قامت بتحويل عملة صعبة خارج المملكة. وكلما تصاعدت هذه التحويلات كلما زادت تكلفة المحافظة على سعر صرف العملة الوطنية. إن ضريبة الاستقطاع ليست مصدر دخل وحسب، بل مقابل تكلفة المحافظة على سعر الصرف والمحافظة على العملات الصعبة.

  • ضريبة الاستقطاع تحتاج لتطوير معرفي كبير في المستقبل القريب. إن تحديد نطاق الخدمات الخاضعة للضريبة بصورة عامة غير مفصلة يجعلها غير مواكبة لطبيعة الانشطة الاقتصادية السريعة. قد تساعد الأسئلة الشائعة والممارسات القائمة في فهم ضريبة الاستقطاع، لكن توفر المواد المعرفية يعطيها قابلية لأن تُفهم على نطاق واسع. ولنأخذ ثلاثة أمثلة:

    • المثال الأول: ورد ضمن الخدمات الخاضعة لضريبة الاستقطاع، خدمات الاتصالات الهاتفية الدولية. هل هذا النطاق الخدمي متكرر حالياً في المملكة؟ ألم تصبح الخدمات الهاتفية الدولية محصورة بقطاع اقتصادي محدود هو قطاع الاتصالات، بينما في الجهة المعاكسة، هناك خدمات اتصالات وتقنية معلومات دولية لعقد الاجتماعات وحضور الندوات، تقدمها شركات لا تقدم خدمات الاتصالات الهاتفية الدولية، وإنما شركات تقنية المعلومات مثل شركات مايكروسوفت وشركة زووم وغيرها من الشركات. وكذلك خدمات خاصة بالبرامج والألعاب الالكترونية. لو كان هناك مكلف ليس لديه معرفة كبيرة سيأخذ النص على ظاهره، وبالتالي لن يخضع المدفوعات لشركات تقنية المعلومات لضريبة استقطاع خاصة بخدمات الاتصالات الهاتفية، إذ لا توجد خدمات هاتفية بالشكل السابق الذي لم يعد ممارس حالياً.

    • المثال الثاني: هي في ودائع القروض. حددت المادة الخامسة من نظام ضريبة الدخل أن الدخل الناتج من عوائد القروض لغير مقيم متحقق من مصدر في المملكة في أياً من الحالات التالية:

      • إذا تم ضمان الدين بممتلكات منقولة وغير منقولة موجودة في المملكة

      • إذا كان المقترض مقيم في المملكة

      • إذا كان المقترض مرتبط بنشاط يمارس في المملكة من خلال منشأة دائمة

  • بصورة أوضح، عندما تحصل منشأة دائمة في المملكة على قروض وتمويل من جهات خارجية مهما كان شكل التمويل سواءً كان صكوك أو سندات أو قروض مجمعة، فإن فوائد القروض المدفوعة للجهات الممولة غير المقيمة ستكون خاضعة لضريبة استقطاع بنسبة 5.

  • لكن، هناك بعض العمليات الناتجة من هذا التمويل، سيكون أثرها القانوني والالتزام بالضريبة انتقالي. ينتقل الالتزام من طرف لآخر. فعندما يتم اصدار سندات وصكوك في سوق مالي خارج المملكة، وكان مستثمري أدوات الدين هم من الجهات غير المقيمة، ويكون مدير دفعات الفوائد هو بنك محلي في السعودية، فإن الالتزام بسداد الضريبة سينتقل من المقترض "الشركة" إلى مدير الدفعات "البنك المحلي"، وبالتالي سيكون البنك ملزم بسداد ضريبة الاستقطاع عن كامل دفعات الفوائد.

  • ومن جهة أخرى، هناك إصدارات لبعض الصكوك والسندات تتم في أسواق مالية دولية لصالح جهات مقيمة، ويكون بعض مستثمري أدوات الدخل الثابت لهذه الصكوك أو السندات هم جهات استثمارية مقيمة في المملكة. إذا كان مدير الدفعات هو بنك دولي غير مقيم في المملكة، فإن كامل مدفوعات الفوائد – حتى تلك التي لصالح جهات داخل المملكة – والمحولة لمدير الدفعات في الخارج، ستخضع بالكامل لضريبة الاستقطاع.

  • ما هي الأسباب الرئيسية لتطوير ضريبة الاستقطاع؟

  • السبب الرئيسي هو معرفة الحقوق والالتزامات. فكلما تحقق لدى المكلف (فرد – منشأة) معرفة جيدة بالخدمات الخاضعة لضريبة الاستقطاع وطرق تحديدها، كان ذلك أسهل في أداء الالتزام من جهة المكلف، وتحقيق ومراقبة الالتزام من جهة السلطة الضريبية.

  • السبب الثاني هو في طبيعة الخدمات. إن المنتجات الحديثة لم تعد ضمن نطاق السلع والأصول الملموسة، بل بعضها ليس لها وجود إلا في الفضاء الالكتروني. لم يعد هناك خدمات إيجار لأصول ملموسة لغير مقيم، ولكن هناك دفعات مقابل حقوق استخدام لبرامج وتطبيقات وتصميمات لبرامج ومنتجات الكترونية، ونشر الاعلان وتصميم الاعلانات، فتحديد طبيعة الخدمات ضمن نطاق المنتجات كان ذلك أيسر على المكلف، وأن يحدد النظام الضريبي شكل الخدمة ونسبتها ضمن فئات معينة.

  • السبب الثالث هو في توافق الأنظمة الضريبية مع بعضها البعض. فرضت ضريبة القيمة المضافة أثر رقابي مباشر على ضريبة الاستقطاع. عندما يفصح المكلف ضمن اقرارات ضريبة القيمة المضافة عن خدمات مستلمة ضمن تصنيف الخدمات المحاسب عنها ضمن آلية الاحتساب العكسي، فإنه بالنتيجة النهائية المكلف أفصح خلال تلك الفترة الضريبية عن ضريبة استقطاع، باستثناء بعض التحويلات الغير خاضعة لضريبة القيمة المضافة مثل توزيعات الأرباح. وكذلك عندما يفصح ضمن المشتريات المعفاة من الضريبة، فإن هناك احتمالية كبيرة بأن تكون مصروفات الفوائد المفصح عنها في الإقرار الضريبي، قد تم الإفصاح عنها، أو سيتم الإفصاح عنها عند دفع الفوائد – إذا كانت خارجية - بحكم تطبيق أساس الاستحقاق المحاسبي في الاقرارات الضريبية.

  • ما هي الطرق المناسبة لنجاح تطوير ضريبة الاستقطاع؟

    • أن تكون لضريبة الاستقطاع لائحة مستقلة خاصة بها، تتضمن تحديث لطبيعة الخدمات.

    • أن تكون الخدمات مرتبطة بنسبة محددة، ولا تكون قابلة لتأويلها ضمن نطاق "أي دفعات أخرى"، وأن تزداد طبيعة الخدمات بحيث يمكن تتبع نوع الخدمة والضريبة المطبقة عليها.

  • توفر أدلة ارشادية متعددة تخص الأنشطة الاقتصادية المتخصصة، مثل قطاع الخدمات المالية والاتصالات وغيرها، والاستفادة من بيانات المكلفين (المصروفات المفصح عنها للهيئة) في تطوير الخدمات الخاضعة لضريبة الاستقطاع.

  • أن يتم تقليل التأويل لأقصى حد ممكن بين ضريبة الاستقطاع بنسبة 15% ( الأتاوة ) وبين الخدمات الفنية والاستشارية (5%)، عبر العقود التي تحدد طبيعة كل خدمة والمدفوعات الناتجة عنها بين الشركة المقيمة والشركة غير المقيمة، فقد يلجأ المكلف لاعتبار حقوق استخدام تطبيقات معينة خاضعة لنسبة الخدمات الفنية والاستشارية بحكم أن المكلف قد قام بدفع رخصة الاستخدام في أول مدة التعاقد، والمدفوعات الأخرى تتعلق بالدعم الفني المستمر الذي يغطي مدة العقد، بينما تعتبرها الهيئة ضمن حقوق الاستخدام السنوية الخاضعة لنسبة 15. وكذلك ضريبة التأمين بنسبة 5، فمن المتعارف عليه وجود خدمات تأمينية واضحة مثل التأمين الصحي وتأمين الاصول الثابتة والممتلكات وضد والاخطار، فهل يتضمن التأمين كذلك عقود التحوط والمشتقات وعقود مبادلة سعر الصرف والتدفقات النقدية؟

  • أن تحدد طبيعة الخدمة ونسبة الضريبة لغير المقيمين الافراد بصورة مستقلة، الذين يقدمون خدمات معينة مثل التصاميم الالكترونية وتصميم المنتجات وكتابة التقارير والمقالات.

  • تقليل الفروقات الكبيرة بين النسب الضريبية، وتحديداً بين تلك التي قد تشترك في صفات معينة مثل الخدمات الاستشارية والأتاوة، وأن تلغى ضريبة المدفوعات الأخرى، بحيث تكون هذه النسبة ملحقة بخدمات محددة وصريحة.

  • أن يتم تحديث ضريبة توزيعات الارباح يحيث تشمل توزيعات الاسهم المجانية، وطريقة حساب ضريبة الاستقطاع ومدى قابلية خصم نسبة ضريبة الدخل على الزيادة في رأس المال من حسابات داخلية للمنشأة، وتحديد طريقة حساب ضريبة الاستقطاع لغير المقيمين المستثمرين في سوق المال السعودي من غير المؤسسين، وتحديد التزامات المصدر (المنشأة) وشركات الاستثمار التي تمارس حفظ الاسهم.

  • ممدوح بن عبدالله الصعيدي

  • زميل الهيئة السعودية للمراجعين والمحاسبين - أخصائي ضريبة القيمة المضافة.