هل يحق للشخص الاعتباري المطالبة بالتعويض عن الضرر المعنوي؟ للدكتور فواز بن علي آل عيفان

الإجابة:

  • تنطلق إجابتنا من الفقرة الثانية من المادة (138) من نظام المعاملات المدنية السعودي، والتي تنص على أن: "يشمل الضرر المعنوي ما يلحق الشخص ذا الصفة الطبيعية من أذى حسيٍّ أو نفسيٍّ، نتيجة المساس بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي."

  • وعلى ذلك فإن الإجابة على هذا التساؤل وفق صريح نص هذه المادة؛ عدم استحقاق الشخص الاعتباري للتعويض عن الضرر المعنوي. ومن جانبنا نرى أن هذا التوجه محل نظر؛ وينطلق رأينا هذا من منطلقين أولهما قانوني، والآخر واقعي

  • أما القانوني فهو ما قررته المادة (18) من نظام المعاملات المدنية السعودي والتي نصت على أن: " يتمتع الشخص ذو الصفة الاعتبارية بجميع الحقوق إلا ما كان منها ملازمًا لخصائص الشخص ذي الصفة الطبيعية، وذلك في الحدود المقررة بموجب النصوص النظامية.".

  • فوفقاً لصريح هذا النص تثبت للشخص الاعتباري جميع الحقوق إلا ما كان منها ملازمًا لخصائص الشخص الطبيعي، والتي تثبت لهذا الأخير بصفته الإنسانية، أي باعتباره كائناً بشرياً من جسد وروح. وهنا يثار التساؤل: هل الضرر المعنوي ملازم لخصائص الشخص الطبيعي؟

  • وهذا هو المنطلق الواقعي لرأينا؛ فإذا ما أثبتنا أن الضرر المعنوي يمكن أن يصيب الشخص الاعتباري فإنه يمكن حسم صحة الرأي الذي نتبناه. والضرر المعنوي لا يمكن حصر صوره؛ فهي تتعدد بتعدد صور الحق الذي يتم الاعتداء عليه

  • لذلك يكون من المتعين معرفة ما إذا كان الحق الذي تم الاعتداء عليه يثبت للشخص الاعتباري كما يثبت للشخص الطبيعي أم لا؟ فإذا كان الحق مما يثبت لكل منهما؛ فلا يجوز بالتالي التقرير بألا يتصور أن يلحق ضرر معنوي بالشخص الاعتباري عند الاعتداء على هذا الحق

  • وأن ليس لهذا الشخص إلا أن يعوض عن الضرر المادي فقط. ووفق ما قررته المادة (138) من نظام المعاملات المدنية السعودي من أن الضرر المعنوي هو: " أذى حسيٍّ أو نفسيٍّ، نتيجة المساس بجسمه أو بحريته أو بعرضه أو بسمعته أو بمركزه الاجتماعي."

  • نتساءل: أليس من بين هذه الأضرار ما يمكن أن يطال الشخص الاعتباري؟ لا شك أنه من بين هذه الأضرار ما يمكن أن يصيب الشخص الاعتباري، ومنها على سبيل المثال المساس بسمعته، وشرفه المهني الذي يعد جزء من مركزه الاجتماعي المشار إليه في المادة السابقة

  • ولا محل للقول بأن الضرر المعنوي الذي يصيب الشخص الاعتباري عند المساس بسمعته التجارية يلزم للتعويض عنه أن يلحق به ضرراً مادياً؛ لأن هذا القول يتعارض مع نص المادة (136) من نظام المعاملات المدنية السعودي والتي قررت أنه: "يكون التعويض بما يجبر الضرر كاملًا

  • وذلك بإعادة المتضرر إلى الوضع الذي كان فيه أو كان من الممكن أن يكون فيه لولا وقوع الضرر."، فهذه المادة تقرر قاعدة عامة في التعويض عن الضرر؛ حيث تقرر أنه يجب أن يجبر التعويض الضرر كاملاً، وأن ما جاء بالمادة (138) من نظام المعاملات المدنية السعودي

  • من إنكار التعويض عن الضرر المعنوي للشخص الاعتباري يخالف هذه القاعدة العامة، ويعد تمييزاً بين الشخص الطبيعي الذي لحق ضرر معنوي بالمساس بسمعته دون أن يتسبب ذلك في ضرر مادي، وبين ما يلحق بالشخص الاعتباري من ضرر معنوي بالمساس بسمعته التجارية دون أن يتسبب ذلك في ضرر مادي

  • وفي ذلك إخلال بمبدأ المساواة بين أصحاب المراكز القانونية الواحدة. ولا شك أن نص المادة (138) من نظام المعاملات المدنية السعودي في استثناءه الشخص الاعتباري - من الحق في التعويض عن الضرر المعنوي- كان متأثراً بالمفهوم الضيق والتقليدي للضرر المعنوي

  • والذي قصره على ما يصيب الشخص في مشاعره وأحاسيسه وعواطفه، على الرغم من تطور مفهوم الضرر المعنوي ليشمل ما يصيب الشخص في سمعته وشهرته، أو غيره من الحقوق غير المالية كالحق في الاسم أو الصورة. وهذا التوجه الذي تبناه نظام المعاملات المدنية السعودي، هو المستقر عليه -قديماً-

  • في قضاء محكمة النقض المصرية حيث قررت" أن الضرر الأدبي هو الذي لا يصيب الشخص في ماله ويمكن إرجاعه في أحوال معينة ....، وهذه الأحوال جميعها لا يتصور حدوثها إلا إذا أصابت الشخص الطبيعي، أما الشخص الاعتباري فيكون بمنأى عن هذا التصور". إلا أن محكمة النقض المصرية عدلت

  • عن هذا الاتجاه في الحديث من أحكامها حيث قررت أن: " التعويض يشمل الضرر الادبي والذي يتمثل في الإساءة الى سمعة الشركة الطاعنة من جراء الاعتداء على علامتها التجارية، وما صاحب ذلك من أثار." وحكمت محكمة القاهرة الاقتصادية بتعويض شركة (IKEA) بمبلغ

  • مليون جنيه عن إنشاء حساب إلكتروني مصطنع على موقع "فيس بوك" بيع فيه أحد منتجاتها للغير، حيث أكدت المحكمة على أن هذا الفعل أضر إضراراً جسيماً بالشركة تمثل في "التأثير على سمعتها وسمعة جودة منتجاتها وإدخال اللبس والخلط لدى المستهلك". كما أكدت محكمة التمييز اللبنانية

  • في غير حكم أن: "المواد المتعلقة بالتعويض عن الضرر المعنوي أو الأدبي لم تميز بين الشخص الطبيعي والمعنوي، بحيث إن هذا الأخير يمكن أن يتضرر أيضاً بخسارة معنوية." وهذا الرأي هو ما تبنته محكمة النقض الفرنسية التي أقرت في أحد أحكامها بأن الضرر المعنوي

  • يمكن أن يلحق بالشخص الاعتباري. والمتتبع لأحكام القضاء الفرنسي في السبعينات يجد أنها لم تتطرق إلى التعويض المعنوي للشخص الاعتباري على نحو واضح وصريح، إلا أن هذا الأمر تطور بفضل الاتجاه الذي تبنته محكمة النقض الفرنسية؛ حيث كرست المحكمة على نحو صريح لقاعدة أن الضرر المعنوي

  • يمكن أن يصيب الشخص الاعتباري، حيث قررت الغرفة الجنائية أن الضرر المعنوي الذي لحق بمركز طبي حكومي نتيجة الاعتداء عليه من قبل جماعة مناهضين للإجهاض معتبرة أن هذا الاعتداء يشكل إيذاء لسمعة المركز الطبي ألحق ضرراً معنوياً يجب تعويضه." وأكدت الغرفة التجارية لمحكمة النقض الفرنسية صراحة أن الشخص الاعتباري له الحق في التعويض عن الضرر المعنوي الذي أصابه، حيث قررت في أحد أحكامها أن الأفعال المترتبة على المنافسة غير المشروعة التي تسبب -للشخص الاعتباري ضحية هذه الأفعال- ضرراً يجب تعويضه، ولو كان ضرراً معنوياً فقط

  • ومن جانبنا، ووفقاً للتوجه المعاصر القائم على جذب الاستثمار الأجنبي، وانطلاقاً من أن البنيان الاقتصادي للدول العظمى قائم على الكيانات الاقتصادية وليس الأفراد، وأن الاستثمار الأجنبي والذي اعتاد في بلدانه على استحقاق الشخص الاعتباري للتعويض عن الضرر المعنوي

  • قد يشعر بالقلق من سلبه الحق في هذا التعويض؛ لذلك قد يكون من المناسب إعادة النظر في النص على حق الشخص الاعتباري في التعويض عن الضرر المعنوي؛ تشجيعاً لجذب الاستثمار الأجنبي.