المذكرة التفسيرية لنظام تأديب الموظفين

المذكرة التفسيرية لنظام تأديب الموظفين

التعديلات السابقة
  • ما أصدق عمر رضي الله عنه إذ وصف الوظيفة العامة بأنها أمانة وأنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها، ذلك أن الموظف أمين على المصلحة العامة في نطاق اختصاصه ومسئول عن أن يبذل قصارى جهده للإسهام في حسن أداء المرفق الذي يعمل به للخدمة التي نيط أمرها بذلك المرفق. ومن هنا كان لا بد أن تهتم الدولة له اهتماما خاصاً  بحقوق الموظف وواجباته وأن تصدر النظم التي تتكفل بها، وطبيعي وهذه هي الظروف الخاصة التي تحيط بنشاط الموظف - أن تعني الدولة - وهي بصدد ضبط الوظيفة العامة – بإرساء القواعد التي تحاسب من يخطئ من الموظفين للمخطيء وعبرة لأمثاله ولذلك تحرص الدول المتقدمة في عالمنا حتى يكون الجزاء ردعاً هذا على إصدار نظم تضع القواعد العامة للزجر إذا ما فرط الموظف في واجبه أو أخطأ وتقيم الأجهزة السليمة التي تسهر على تنفيذ هذه القواعد وتطبيقها بما يحقق العدالة فلا يؤخذ بريء بجرم لا يسأل عنه ولا يفلت المسيء من العقاب.

  •  

  • وقد تضمن نظام الموظفين العام الصادر به المرسوم الملكي رقم 43 وتاريخ 29/ 11/ 1377هـ بعض المواد التي تعالج هذه الناحية بيد أن هذه المواد أصبحت – بعد أن اتسع نشاط الدولة وتكامل جهازها الإداري – قاصرة عن أن تسد الحاجة وأن تواجه الأوضاع المتطورة ولذلك كان لابد من أن يفرد لهذا الأمر اهتمام خاص يتمثل في إصدار نظام بذاته يتناول شئون التأديب الإداري بالترتيب والتنسيق.

  •  

  • وهذا ما دعى إلى وضع (نظام تأديب الموظفين) وقد رعى النظام أن تأتي أحكامه مبسطة بقدر الإمكان حتى يبعد عن التعقيد الذي لا يتفق مع كونه التجربة المتكاملة الأولى للمملكة في هذا المضمار وأن يأخذ من النظريات الإدارية الحديثة أعد لها حتى يوفر للموظف الضمانات الكافية دون أن يهدر المصلحة العامة ويترك مجالاً للتهرب من المسئولية ولذا فقد تضمن في بدايته قسمين يتناول أولهما هيئة الرقابة ومكافحة الفساد التي تختص – كما يدل عليه اسمها – برقابة الموظفين في أدائهم لواجباتهم والتحقيق مع من ينسب إليه تقصير منهم، ويتناول الثاني هيئة التأديب وهي الهيئة التي تسهر على محاسبة من يسفر التحقيق عن أدانته أو يشير بدلائل قوية إلى أنه ارتكب ما يستحق المحاسبة والنظام فيما يسعي إليه ليس إلا تطبيقاً للمبدأ الذي بينه عمر رضي هللا عنه عندما قال: "أرأيتم إذا استعملت عليكم خير من أعلم ثم أمرته بالعدل اكنت قضيت ما علي .. ؟ قالوا : نعم فقال لا، حتى أنظر عمله أعمل بما أمرته أم لا. ولكن النظام لم يجعل مسائل الرقابة والتحقيق والتأديب حكراً على هيئة الرقابة والتحقيق وهيئة التأديب بل جاء واقعياً إذ ترك شطراً واضحاً من هذه المسائل في يد الوزير المختص أو من هو في مستواه - حيث أن الوزير هو الرئيس الإداري الأعلى لوزارته وأن من واجباته الأساسية أن يراقب مرؤوسيه وأن يحقق مع المخطيء منهم كما أن حسن ممارسته لسلطاته الرئاسية يقتضي أن تترك في يده بعض الاختصاصات الجزائية. وقد وازن النظام بين اختصاصات الوزير هذه وبين اختصاصات هيئة الرقابة والتحقيق وهيئة التأديب موازنة تستهدف تحقيق فلسفته العامة وهي  العدالة والحزم والعدل في الشريعة السمحاء غاية لذلتها فكل ما يوصل إليها يعد شريعة وأن لم يصرح الشارع به ويذكر تفاصيله وقد قال ابن القيم ان السياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة وفرع من فروعها ومن ثم يقوم المجتمع الإسلامي على أنواع من النظم تضبط الصواب والخطأ وتحدد ما هو حسن وما هو قبيح وما هو ممنوع وما هو مباح وليس غريباً أن يشترك الوزير المختص والهينتان اللتان يقيمهما النظام في مثل هذه الاختصاصات لأن الجزاءات الإدارية ليست عقوبات جنائية فالجزاء الإداري يستهدف أساساً محاسبة الموظف عن خطئه الوظيفي وانزال جزاء به يناله في حياته الوظيفة بينما تعاقب الجزاءات الجنائية على ارتكاب الشخص لجريمة ما وتنزل به عقاباً يناله في حريته الشخصية أو في ماله ولذا فإن النظم الإدارية لا تذكر المخالفات الإدارية على وجه الحصر بل تترك أمر ذلك للهيئة المختصة بمحاسبة الموظفين لتقرير ما إذا كان التصرف المنسوب للموظف يعتبر مخالفة إدارية تستوجب الجزاء الإداري، في حين أن النظم الجنائية تذكر عادة الجرائم على سبيل الحصر . بيد أن النظم الإدارية وأن لم تعدد المخالفات الإدارية تعداد يحصرها إلا أنها تشترك مع غيرها من النظم في تحديد الجزاءات التي يجوز توقيعها تحديداً دقيقاً لا يترك مجالاً للتقدير عند التطبيق إلا فيما يتعلق بإختيار الجزاء وتشديده من عدمه. وهذا ما أخذ به النظام.

  •  

  • كذلك سار النظام على نظرية مستقرة في الفقه الإداري وهي أن الجزاء الإداري لا يعتبر حكماً قضائياً بل قراراً إدارياً ولذلك لا يجوز الطعن عليه بالنقض كما يجوز ذلك بالنسبة للإحكام القضائية ولذا حصر الطعن عليه في طلب إعادة النظر في حالات محدودة تستوجبه نص عليها النظام على أنه نظراً لخطورة الجزاء الإداري وآثاره الحاسمة على الحياة الوظيفية للموظف فقد أخذ النظام - مسايراً بذلك الاتجاهات الإدارية الحديثة - بقدر من الضمانات التي تحيط بالحكم القضائي وذلك لأن الجزاء الإداري وأن كان قراراً إدارياً إلا أنه كما ذكر يتمتع بين القرارات الإدارية بمركز فريد.

  •  

  • ولعل من المناسب في هذا المقام أن يفرق بين الجزاء الإداري - بوصفه قراراً إداريا- وبين القرارات الإدارية الأخرى التي تتعلق بسير الوظيفة العامة إذ أن الأولى تقصد إلى توقيع العقاب على الموظف بنيما تسعى القرارات الإدارية بمفهومها العام إلى تحسين ظروف قيام المرفق بالخدمة العامة الموكولة إليه ومن ثم فان تنسيق الموظف مثلاً هو قرار إداري يتعلق بحسن سير الوظيفة العامة وليس جزاء إدارياً في مفهوم النظام كما ان كف اليد لا يعتبر جزاءاً إدارياً لأنه ليس إلا أجراء تحفظياً تتخذه الإدارة لإبعاد الموظف  -في ظروف معينة- عن الوظيفة لضمان الوصول إلى الحقيقة مجردة بعيدة عن التأثير أو التزييف.

  •  

  • تلك هي الأفكار العامة التي تكمن وراء الأحكام التي تضمنها النظام صيغة على نحو يكفل للموظف الكفء النزيه الحماية، ويضرب على يد الموظف المهمل أو الخائن وبذلك يتوفر للجهاز الإداري الجو المناسب للعمل بعيداً عن تعريض الموظف الصالح لما يعرقل حسن أدائه لعمله من اتهامات غير جدية وإجراءات غير عادلة والسماح لغيره بالعبث والتلاعب.

  •  

  • وينقسم النظام إلى أربعة أقسام رئيسية: القسم الأول في هيئة الرقابة والتحقق والقسم الثاني: في هيئة التأديب  والقسم الثالث: في أصول التحقيق والتأديب، والقسم الرابع: في أحكام عامة.

  • يتفرع القسم الأول إلى بابين: الباب الأول في تشكيل هيئة الرقابة والتحقيق، فينص في المادة الأولى على إنشاء تلك الهيئة وحتى يضمن لها الاستقلال والكفاءة اشترط أن يكون رئيسها ممن لا تقل مرتبتهم عن المرتبة الخامسة عشرة وهي أعلى مراتب الوظائف العامة التي نظمها كادر الموظفين العام ومن ثم فإنه ترك الباب مفتوحاً - عندما تستدعي الحاجة - لكي يقوم على رئاسة هذه الهيئة من هو في مرتبة تعلو تلك المرتبة وقد طبق المفهوم نفسه بالنسبة للوكلاء وجعل تعيين الرئيس والوكلاء وإنهاء خدماتهم بأمر ملكي مادة (3).

  • وحرصاً على حسن قيام الهيئة بالأعباء الملقاة عليها قسمت المادة (3) الأجهزة التي تشكل منها الهيئة إلى قسمين هما قسم الرقابة، وقسم التحقيق حتى يتفرغ كل قسم إلى واجباته بالكفاءة، والتخصص المرجوين وأن كان هذا لا يعني استقلال كل من القسمين عن الآخر فهما جهازان مرتبطان يكونان هيئة واحدة تخضع لرئاسة واحدة تنسق بين عملهما وتشرف على مجهودهما.

  • أما الباب الثاني فيتكلم عن اختصاصات الهيئة والإجراءات التي تسير عليها. وحتى لا يساء فهم المقصود من منح الهيئة اختصاصاً بالرقابة والتحقيق فقد قيدت المادة (5) تلك الاختصاصات بأن تكون في حدود القواعد المنصوص عليها في هذا النظام. فهي ليست رقابة مطلقة من كل قيد ولا تحقيقاً بلا حدود وإنما رقابة وتحقيق النطاق الذي رسمه النظام ولعل من الجدير بالذكر أن نشير هنا إلى أن الفقرة (أ) من المادة (5) عندما تكلمت عن المخالفات المالية والإدارية إنما قصدت أن ينصرف هذا التعبير إلى أوسع معانيه ليشمل كافة المخالفات التي يرتكبها الموظف بوصفه موظفاً، وبذا فأن إهمال الموظف لإداء واجبات الوظيفة يمكن أن يندرج تحت هذا المفهوم. وقد درج النظام على إستعمال هذا المفهوم الواسع للتعبير في كافة أحكامه الأمر الذي يجب أن يكون محل اعتبار عند تفسير وتطبيق أحكام المواد الأخرى من النظام.

  • ورغم أن النظام قد راعى الاختصار في قواعد الإجراءات تاركاً التفاصيل إلى اللوائح التي تصدر تطبيقاً لأحكام المادة الثالثة إلا أنه رأى أن يدرج بعض القواعد الأساسية التي تضمن عدم المساس بحرية الموظف إلا طبقاً للأصول السليمة والأحكام النظامية فنص في المادة (6) على ضرورة اثبات جميع إجراءات الرقابة كتابة وهذا أيضاً هو ما تطلبه في المادة (11) بالنسبة للتحقيق. كذلك رأى النظام أن تكون الجهة الإدارية التي يتبعها الموظف على علم مسبق بما يتخذ حياله من إجراءات وذلك من قبيل التنسيق بين الاختصاصات وحتى يضمن حسن تعاون الجهات الإدارية مع الهيئة وتقديم المساعدات اللازمة. نص على المادة (7) ومن المتوقع أن تقوم الجهات الإدارية لدى إخطارها من قبل الهيئة بتسهيل مهمة الهيئة ومعاونتها فيما تتخذه من إجراءات وإلا تمتنع عن تمكن المحقق من الاطلاع أو التفتيش إلا إذا كان لديها من الأسباب الوجيهة الجدية ما يدفعها إلى ذلك. وعندئذ يكون الفصل في الأمر من اختصاص رئيس مجلس الوزراء الذي يأمر بما يراه ذلك في مادة (8).

  • وواضح أن النظام قد فرق بين تفتيش أماكن العمل أي الأماكن التي يعمل بها الموظف وهي الأماكن المرتبطة بالجهة الإدارية التي يعمل بها وبين تفتيش الأماكن الخاصة والأشخاص فجعل للهيئة سلطة إجراء التفتيش الأول واستلزم في الحالة الثانية أن يجري التفتيش بمعرفة السلطة المختصة بإجراء مثل هذا التفتيش طبقاً للأنظمة المعمولة بها في المملكة. وغني عن الذكر أن طلب رئيس الهيئة إلى الجهة المختصة إجراء التفتيش (مادة 9) لا يعتبر أمراً للجهة المختصة المذكورة ومع ذلك فأن المتوقع إلا تحجم الجهة المختصة عن الاستجابة لهذا الطلب إلا إذا قام لديها مانع نظامي واضح يبرر هذا الأحجام ولم يتعرض النظام للإجراء الذي يتبع في حالة قيام خلاف من هذا القبيل بين الهيئة وبين الجهة المختصة لأن النظام خاص بتأديب الموظفين وليس مما يدخل في نطاقه أن ينص على أحكام الزامية بالنسبة لجهات الأمن وتأسيساً على أن المصلحة العامة التي يستهدفها الجميع سوف تقلل إلى حد كبير من وقوع مثل هذا الخلاف وأنه إذا وقع فإن المسؤولين في الجهة يمكنهما بالاتفاق المشترك الوصول إلى حل له أو رفع الموضوع إلى ولي الأمر.

  • ومن الضمانات التي قررها النظام أن يجري التحقيق بحضور الشخص المحقق معه فيجعل تلك هي القاعدة والاستثناء هو عدم الحضور، ومن المبادىء الأصولية أن الإستثناء لا يلجأ إليه إلا عند الضرورة ولا يجوز التوسع في تطبيقه، وتنص المادة (12) على أن يرفع التحقيق إلى رئيس الهيئة لإتخاذ ما يراه متفقاً مع النظام بشأنه بيد أنها قيدت هذا الاختصاص بضرورة إحالة التحقيق إلى الجهة المختصة بالفصل فيه إذا ما اتضح أنه يتضمن جريمة جنائية. ومعني هذا أن التصرف الإداري في الأفعال المنسوبة للموظف سوف يعلن إلى أن يتم الفصل جنائياً في تلك الأفعال كل ذلك مع ملاحظة ما قضت به المادة (12) من النظام،

  • وجاءت المادة (13) لتسمح لرئيس الهيئة أن يقترح على مجلس الوزراء بعد أخذ رأي الوزير المختص فصل الموظف لشبهات قوية تجعله غير صالح للإستمرار في الوظيفة وذلك معالجة لحالات يحسن فيها اتخاذ مثل هذا الإجراء دون الخوض في إجراءات المحاكمة ومن المعروف أن رئيس الهيئة سوف يمارس هذه الصلاحية عن طريق رئاسة مجلس الوزراء.

  • ويتفرغ القسم الثاني الذي يتناول هيئة التأديب كذلك إلى بابين فيعالج الباب الأول تشكيل هيئة التأديب ونص النظام في المادة (14) على إنشاء الهيئة وحرص بالنسبة لرئيسها ونائبه على أن يكونا من كبار المسؤولين لما تقدم بالنسبة لرئيس هيئة التحقيق ووكلائه. ومفهوم المادة أنه إذا غاب رئيس الهيئة فأن نائب الرئيس يحل محله في اختصاصاته وسلطاته تلقائياً أثناء فترة الغياب ولذا عبرت المادة عن النائب بأنه نائب الرئيس في حين سمى مقابلة في هيئة التحقيق باسم الوكيل. 

  • وقد نصت المادة (16) على أن تصدر الهيئة لائحة داخلية وقد ترك النظام لهذه اللائحة أن تشتمل على ما ترى الهيئة حاجة إلى تنظيمه من قواعد وإجراءات لم يأت نص بخصوصها في النظام ومن ثم فأن تعبير اللائحة الداخلية في حكم المادة (16) يجب أن يحمل على هذا المعنى.

عنوان القسم التالي

محتوى القسم التالي